كنت منذ الصبى شخصاً عملياً، أحب أن أتعلم كيف تسير الأمور؛ كيف يعمل التلفاز، كيف أقوم بصيانة العطب الكهربائي، وكيف أصلح ما يُكسر في البيت. ومع أن اشتد ساعدي، تعلمت الحدادة من عمي، ثم تعلمت السياقة والتزويق، وعملت صانعاً في مقهى؛ هذا كله ولم أبلغ بعد الثامنة عشرة من عمري. بعدها بت أكثر نضجاً، فكنت أشتغل في الصيف بمصنع للمشروبات الغازية، ورغم صعوبة وقسوة العمل لكنني لم أنسحب، بل على العكس، كنت أنهض كل يوم ولا يهمني إلا الأجر الشهري وفيما سأصرفه.
توالت السنين وكنت أكدس الأحلام والطموحات الواحدة فوق الأخرى، حتى انتهى بي المطاف كموظف في شركة. نعم، ذاك الطموح التافه؛ مكتب وتكييف، ونطق اسمك يتغير فيتغير النداء من "حمزة" إلى "سي حمزة". ابتلعت الطعم وأمضيت العقد. كان الأمر مملاً في البداية وكنت أرغب في مهام أكثر، ولم أعلم أنني كنت تحت المراقبة في تلك الفترة؛ كان المدير يدرس سلوكي وبديهتي فوجدني سريع التعلم وذكياً، فسممني بمهمة هي الأقسى والأشد. ليس فيها مجهود بدني، فكل ما يتطلبه الأمر هاتف وورقة وقلم، لكنها استنزاف للذهن وللسمع، من ثم تنتقل لتجعل منك كالآلة، أو بالأحرى كالعبد، دائماً على ذمة العمل في أي لحظة تأتيك مكالمة حتى لو كنت في فترة راحتك.
مرت السنة الأولى والثانية وها أنا في الثالثة، لم يتغير شيء على مستوى المسمى الوظيفي ولا الأجر الشهري، بل مجرد وعود يسممون عقلي بها في كل فترة يستشعرون فيها غضبي أو مللي. لكنهم لا يعلمون أنني أعلم كل تحركاتهم، وليس بإمكاني فعل شيء لأن السوق يشكو من شُحّ الوظائف، وربما لو قدمت استقالتي سأخسر كل ما بنيته. إذ أفكر في موفى السنة للتقدم بطلب قرض لأستثمره في بناء منزل متواضع، أؤسس خلف حيطانه عائلة في قادم السنوات، فسني أصبح أكثر عقلانية وبدأ وقت العزوبية ينفد؛ فلست من هواة الزواج في سن متأخرة، على العكس، أحبذ أن أتزوج في بداية الثلاثينات.
على كلٍّ أعود؛ لقد حاصرني العجز وبدأ الإحباط يتملكني، أشعر أن روحي المرحة باتت تنطفئ شيئاً فشيئاً، بات بالي أكثر ضيقاً وانفعالي أسرع مما مضى. والأسوأ أن مستقبلي في الشركة هو في نفس المهمة، لن يتغير شيء، لكنني ملزم على التحمل وأن لا أشتكي كثيراً؛ فالمستمع مهما اجتهد في فهمي لن يدرك الحقيقة كاملة، بل سيكتفي بجملة "احمد ربك، غيرك ما لاقي أكل".
ألا يحق لنا الشكوى؟ هل نحن ملزمون بالسكوت فقط لأننا بمرتبة أفضل من غيرنا؟ هذه الجمل اللعينة التي سمموا بها عقولنا لدرجة تم فيها تغييب الجانب النفسي، وباتت الناس تسير محبطة وعابسة. أليس من حقنا العيش الكريم؟ ألسنا مواطنين وندفع الضرائب؟ لو كانت الدولة تقوم بواجبها تجاه مواطنيها لعاش الجميع سعداء، ولما وجد رجال الأعمال أنفسهم في موضع يسمح لهم باستنزاف جهد الموظفين بأجور زهيدة لا تكفي حتى لآخر الشهر.


الحقيقة ان اكتشفت ان محدش مرتاح لا اللي الكارير بتاعه مليان حركة و بيترقي و بياخد فلوس كتير و لا اللي ثابت مكانه حاسه الراحة بقت حلم صعب المنال
لطالما شعرت بالذنب وتأنيب الضمير عندما أشتكي، لأنني دائمًا ما أُقابَل بعبارةحالك أفضل من غيرك، احمدي ربك نحن نعلم هذا ونحمد الله فعلًا لكن لا أفهم لماذا يظن البعض أن معرفتنا بوجود من هو أسوأ حالًا تعني أنه لا يحق لنا أن نتمنى حالًا أفضل فنحن نعلم أيضًا أن هناك من يعيش حالًا أيسر وأفضل ،لذا أسأل الله أن يحسن حالنا ويسر أمرنا وأن يعطيك مافي قلبك وبالك ياحمزة ويرزقك من فضله الواسع🤍