حب من أول نظرة
تميزتُ في السنة الأخيرة من التعليم الابتدائي، وكنتُ الثاني في القسم، وها أنا أدشن مرحلة جديدة: السنة السابعة أساسي.
كان أول يوم لي في المعهد، توقفت الحافلة أمام الطريق المؤدي إليه، فنزلتُ رفقة ابنة عمي نور، التي تكبرني بسنتين، وهممنا بالتوجه إلى المعهد. كنت سعيدًا ومتشوقًا؛ فضاء تعليمي جديد، ووجوه جديدة، وتوقيت دراسة مختلف.
أثناء سيرنا، صاحت فتاة باسم نور، فالتفتنا إليها. كانت زميلتها في الفصل، فأسرعت نحوها واحتضنتها، فهي لم تلتقِ بها منذ العام الفارط. أما أنا، ففي تلك اللحظة كنت مجمدًا في مكاني، وعيناي جاحظتان تمامًا. يا رباه، كم كانت جميلة! سبحان المعبود، كأنها مرسومة باليد. وجهها يشع بياضًا، وملامحها متناسقة بشكل مثالي. كانت ترتدي حجابًا زهري اللون زادها جاذبية واكتمالًا، قمرًا في وضح النهار ينافس نور الشمس. كنت تائهًا في جمالها حتى وخزتني نور، فصحوت من تيهي مرتبكًا.
"حمزة، ألقِ التحية على صديقتي أماني، وهذه الجميلة تُدعى سيرين، وهي من سنك، وأول سنة لها بالمعهد."
سلمنا بالأيدي، وكانت يدها رقيقة لدرجة أنها اختفت بين أصابعي. كنت مقتنعًا أن ذلك اليوم لن يُمحى من ذاكرتي إطلاقًا.
تسللت أصابعها من بين أصابعي، وتسلل نبضي من قلبي بين أصابعها. لم أكن أعلم أن ذلك الخفقان السريع سيرافقني لسنين طوال. سرنا نحو المعهد، وأنا لا أعلم ما ذلك الشعور الغريب الذي دبّ في كامل أنحاء جسدي، مثل القشعريرة. لوهلة نسيت نفسي، إلى أين أتجه، وما أنا فاعل هناك. كنت في كل ثانية ألتفت إليها وأطيل النظر. كان صوتها رقيقًا وعذبًا، تتحدث بمرح وتضحك بخجل. لم أرَ فتاة بجمالها وعفويتها من قبل، ولم أكن في حاجة لرؤية باقي الفتيات في المعهد، فقد اكتفيت بها.
يومًا بعد يوم، تزداد رغبتي في رؤيتها والتأمل في تفاصيلها، حتى إنني، على عكس زملائي في الفصل، أغادر فراشي صباحًا بنشاط، أتحضر وأسرع نحو موقف الحافلة، وأنتظر مرور الدقائق حتى أصل إلى المعهد وأنتظر قدومها. كان أخوها يقلها كل صباح إلى المعهد. كنت أستشعر قدومها حتى قبل أن أبصر السيارة، لا أعلم كيف، ولكن أشعر بنبض قلبي يتسارع، فألتفت مسرعًا لرؤيتها.
مرت الأيام، وذلك اللهيب في صدري يزداد يومًا بعد يوم. بات الأمر مكشوفًا، وأدركت أنني مغرم بها حد الجنون. كان تغيبها عن المعهد كفيلًا بجعل ذلك اليوم يفقد رونقه ومتعتَه، فيصيبني شيء من البؤس والقلق، وأنتظر انتهاؤه بفارغ الصبر حتى يأتي الغد.
كنت أحدث نور عنها، وكانت دائمًا تطمئنني أنها ليست في علاقة، وربما هي الأخرى تبادلني نفس الشعور. عندما يحل فصل الربيع، أتجول بين المنازل وأنتقي أجمل وردة، أضعها في كأس ماء حتى تبقى عطرة ومنتعشة، وأرسلها لها في الصباح، وأنتظر رؤيتها تمسك الوردة وتشمها، وفي كل لحظة تقع عيني عليها وهي تمسكها، يرفرف قلبي وسط صدري، وتشع عيناي فرحًا.
كنت أرغب في الحديث معها، لكن في كل مرة أقف أمامها يعقد لساني وأفقد قدرتي على النطق. اكتفيت برؤيتها من بعيد، وبالحديث عنها لابنة عمي. فاض الحب في صدري، ولم أعد أقوى على تهدئته بالأمل. كان لا بد أن أتخذ الخطوة القادمة في آخر سنة في المعهد، وقبل الانتقال إلى مرحلة الثانوي. قررت أنني سأصارحها بحبي.
تشجعت وتوجهت إلى المعهد. كان أول يوم في الدراسة، وكانت ابنة عمي تتجه نحوي بخطى مثقلة وملامح غير مفهومة، وألقت عليّ الخبر كالصاعقة:
"لقد انتقلت سيرين إلى المعهد الثانوي."
زلزل الخبر كياني، شعرت وكأن قلبي توقف لجزء من الثانية، وقلت: كيف تنتقل؟ ولماذا؟ إذًا فهي حتمًا لا تبادلني الحب.
دخلت الفصل وجلست في الخلف كجثة هامدة. لاحظ الجميع انطفائي، فقد كنت بهجة القسم، ومن يصنع الضحكة ويكسر الصمت والانتباه. وتأكدت شكوكهم لما دخلت حصة اللغة الإنجليزية ولم أشارك إطلاقًا. كانوا يتهامسون فيما بينهم:
"ماذا أصابه؟ أيعقل أنه حزين على رحيل سيرين؟"
حتى إن الأستاذة اقتربت مني وسألتني:
"حمزة، ما بالك اليوم؟ لست كعادتك."
أجبتها بابتسامة صفراء:
"أشعر بوعكة صحية وستمر."
ومع مرور الأيام، زاد انطفائي، وفقدت قدرتي على التركيز في القسم، ولولا خوفي من أبي لتوقفت عن الذهاب إلى المعهد.
انتهى الفصل الأول واستلمنا النتائج. لقد فشلت فيه، وكان معدل الثلاثي تحت العشرة. أذكر جيدًا، قبل حصة الرياضيات، سحبني أستاذ التربية البدنية إلى زاوية وسألني عن سبب تراجع مستواي، وما الذي حل بي، كأن عين حاسد أصابتني. أخبرته أن السنة الدراسية صعبة، وأنني سأبذل جهدي وسأنجح وأذهب إلى المعهد الثانوي.
وبالفعل، استعَدت عافيتي، وأصبحت أكثر تفاعلًا في القسم، وذاكرت بجهد، وحققت النجاح.
الحب هو من حفزني على النجاح. لم أفقد الأمل، بل على العكس، قررت أنني سأنجح وسألتحق بها في المعهد الثانوي، وأكمل ما بدأته...
يتبع.


صدقًا لم أكن أتوقع أن يكون النص بهذا الجمال والعمق أسلوبك رائع في الوصف ونقل المشاعر وقد شعرت بكل تفصيلة وكأنها أمامي انبهرت كثيرًا وتأثرت أيضًا بنهاية الجزء متحمسة جدًا للتكملة وأتمنى أن لا تتأخر.
أهنئك على كتابتك الرائعة، كل شي جميل ومثير في المقال
ولكن نقص جمالها كلمة يُتبع
أتمنى نشوف التكملة في أقرب وقت ، متشوقون جدًا