.... تبخر الأمل
غابت الشمس، وأسدل الظلام ستاره، وانتشرت النجوم في السماء تخترق الظلام بنورها الخافت. كانت السماء في تلك الليلة صافية، وكنت ممددًا على سريري أستمتع بمنظر النجوم وهي تشع بكل نشاط، حتى مرَّ شهاب جميل، فأغمضت عيناي دون أن أشعر وقلت في صدري:
"اللهم اجعلها من نصيبي."
أمسكت كراس الذكريات، وصرت أقلب صفحاته وكأنني أبحث عن ورقة ممزقة لم تعد موجودة. حسنًا، لن أترككم للفضول، سأخبركم قصتها...
هي خطة مبتكرة قمت بها لغرض أن أحصل على توقيعها أو أن يكون لي ذكرى منها. كانت في آخر سنة تاسعة من التعليم الأساسي، بعد أن كتب لي زملائي في القسم، كلٌّ كتب شيئًا؛ أحدهم قصَّ ذكرى جمعتنا، والآخر كتب: "فلان مرَّ من هنا"، وأخرى تمنت لي التوفيق وأن أجتمع بمن أحب يومًا.
ترك الجميع أثره، إلا هي. نعم، لقد فشلت الخطة، لا أعلم حقًا كيف لم أتمكن من بلوغ غايتي. أعادت لي ابنة عمي الكراس قائلة بأن سيرين قد غادرت باكرًا اليوم، وربما غدًا ستطلب منها كتابة شيء.
شعرت بحرقة في صدري، وضاقت بي الأرض ومن عليها، تباطأ نبضي، وانتفضت رئتای بحثًا عن الهواء. شعرت لوهلة أنني سأتهاوى على الأرض، وربما لن أنهض مجددًا.
أدمعت عينا ابنة عمي أسفًا على حالي، وأمسكتني من يدي قائلة:
"حمزة، تمالك نفسك، يصعب عليَّ رؤيتك هكذا. قلت لك، هي ليست بأفضل حال اليوم، تمر بظرف صعب بسبب مرض أبيها."
لا أخفيكم الأمر، لقد أعطت محاولة نور نتيجة، فقد تجدد الأمل فجأة. كنت أقنع عقلي أن يعذرها، وربما ما قالته نور صحيح. نعم، لا أنكر أنني رأيتها تغادر المعهد في الوقت القانوني، لكن ربما يكون قد خُيّل لي طيفها، وربما هي فتاة أخرى.
دبت الروح في وجهي مجددًا، فوضعت الكراس في محفظتي وهممت بالرحيل.
لم تأتِ منذ ذلك اليوم، وعلمت لاحقًا أنها ذهبت رفقة والدتها إلى المغرب لزيارة عائلة أمها وقضاء العطلة الصيفية هناك. تبخر حلم الأوتوغراف، واكتفيت بخربشات الأصدقاء.
مرت الأيام وعدنا إلى الدراسة، لكنها لم تأتِ، فكما أخبرتكم سابقًا، لقد انتقلت إلى المعهد الثانوي.
كان أول يوم دراسي لي في ذلك الفضاء الجديد، وكان يحتضنه حي راقٍ نوعًا ما، ليس ببعيد عن الطريق الرئيسي. نزلنا من الحافلة مسرعين، وتجدد ذلك الفضول الذي باغتني في المعهد الأساسي في أول يوم لي هناك، فها أنا اليوم أكرر الموقف هنا.
سرنا نحو المعهد، وكان كل شيء جميلًا، ينقصه شيء واحد فقط: رؤية معشوقتي. فلم أرها منذ السنة الفارطة إلا مرة أو مرتين أتت فيهما إلى العيادة الطبية، وكأن القدر قد شعر بشوقي لها، فمنحني رؤيتها في الوقت المناسب في المرتين.
بينما كنت أتحدث مع صديقي، وخزني من يدي وقال:
"التفت خلفك."
تزايد نبضي حتى إن قلبي كان سيغادر صدري ويلتفت هو الآخر. التفتُّ، وكانت الصدمة...
هذه ليست الفتاة التي أحببت، ليست سيرين حبيبتي ذات الحجاب الزهري. لقد نزعت الحجاب، وكان شعرها الخمري ينساب على كتفيها، ووجهها كعادته يشع بياضًا، حتى طريقة لبسها تغيرت، باتت أكثر جرأة. لقد تغيرت كثيرًا.
عند مرورها بجانبي، نظرت لي نظرة خاطفة وأكملت سيرها.
تجدد الجرح في صدري، وفاض الحب في شراييني، وبانت لهفتي في عيوني.
ربت صديقي على كتفي وقال:
"لقد ازدادت جمالًا وجرأة، أنصحك بأن تنساها يا صديقي، لن يكون لك فيها نصيب."
مرت الأيام وأنا أراقبها من بعيد. قد تستغربون لما لم أتواصل معها عبر الهاتف، حسنًا، من حقكم، لكن اعلموا أن الهواتف الذكية لم تكن قد انتشرت بعد وقتها، حتى إنني كنت أملك هاتفًا صيني الصنع يمنحني الدخول إلى خاصية "الفايسبوك صفر" فقط، وبعد عناء طويل في تعديل إعدادات التصفح.
كنت أتردد على المنتديات الإعلامية، فأؤجر إحدى الحواسيب لمدة ساعة، أتصفح فيها حسابي على الفايسبوك وأستمع إلى الأغاني الرومنسية. لقد أرسلت لها طلب صداقة أكثر من مرة، لكنها في كل مرة تبقيه معلقًا.
مرت السنة الأولى ثانوي، ومرت السنة الثانية ثانوي، وأنا لا أزال على حالي، قلبي متيم بها ولا يرى سواها.
تودد لي الكثير من الفتيات، لكنني لم أبادلهن الاهتمام، لأنني أعلم أن العلاقة ستفشل عاجلًا أم آجلًا.
كانت تكثر الإشاعات عن سيرين؛ تارةً هي في علاقة مع ذاك، وتارة تحب ذاك، وتارة تتجول مع ذاك.
تبخرت آمالي في وصالها، وبات حبها عبئًا أحمله في قلبي. لم أعد أرغب في وصلها، لكن ذلك الجرح في قلبي كان يؤلمني بشدة، ويجعلني أفشل في كل مرة أحاول فيها التجاوز.
ذات يوم، في سنة البكالوريا، أتاني صديق مقرب برقم هاتفها، وقال لي:
"هذا الرقم كما وعدتك، ولا تأتِ على ذكري."
لم أتجرأ على مراسلتها ظهرًا، وقررت أنني سأراسلها في العطلة الأسبوعية، ومهما كانت النتيجة سيكون أمامي الوقت حتى تهدأ الأوضاع.
عشية يوم السبت، كنت قد أعطيت وعدًا لمؤجر المقهى أنني سأقوم بطلاء المقهى، على أمل أن أشتغل معه بمجرد تدشينها.
كنت أدخن السيجارة وأستمع إلى George Wassouf، فكان صوته يملأ فضاء المقهى، وكنت أنا تائهًا بين كلمات الأغنية وألحانها:
"سبت كل الناس على شانو
على شانو استحملت اللوم
إزاي بعد ده كله يسيبني
ما اتصورتش غدره بيوم"
حسنًا، حانت اللحظة الحاسمة، سأراسلها. سيتوقف هذا الأمل الزائف اليوم، إما أن أمر من نصف العاصفة حتى أصل اليابسة، أو أدعها تعصف بي للممات.
لم أكن بتلك الجرأة لأكتب لها بالعربية، كنت حتى خلف الشاشة، ولا زلت، أرتبك وأشعر بالخجل، فقررت الكتابة بالإنجليزية، وكتبت لها رسالة قصيرة مفادها أنني أعلم أن ليس لي في وصالها نصيب، لكنني كنت أستنجد بها أن تساعدني: كيف أنساها؟ كيف أنتزع حبها من قلبي؟ لم أقوَ على ذلك، أشعر أنه يميتني يومًا بعد يوم.
تم فتح الرسالة، تسارع نبضي، وارتعشت يدي، وكدت أسقط الهاتف. اهتز فجأة، وصل الجواب.
عمَّ السكون، حتى إنني أوقفت مشغل الأغاني، وأشعلت سيجارة، أخذت نفسًا عميقًا وفتحت المحادثة.
لأول مرة منذ فترة طويلة، أدمعت عيناي. شعرت أن الحياة توقفت فجأة، ولم أعد أقوى على الوقوف. تهالكت على الأرض، وأسقطت الهاتف من يدي...
كانت الإجابة كفيلة بأن تسقط أعتى الرجال، لقد اكتفت بكلمتين:
"لباس؟
لا باللاهي، إن شاء الله لباس.."
وقامت بحظري.
في تلك اللحظة، تملكني الغضب، واجتاحتني رياح التغيير. أقسمت أنني سأنتزعها من قلبي، حتى لو كلفني ذلك قلبي.
سأنساك يا سيرين، سأنساك يا أكبر أخطائي، سأنساك لأنني أستحق الأفضل، لصدقي، لبراءتي، لحبي.
مضت ثماني سنوات منذ ذلك اليوم، والحمد لله، انتصرت في حربي. لقد تجاوزتها تمامًا، حتى لو مرت أمامي الآن لن أهتز إطلاقًا ولن أشعر بشيء، لقد تساوت مع الحائط.
أنا ممتن جدًا لتلك القسوة التي أجابتني بها، فلولاها لما استطعت التجاوز. لقد كانت حركة موفقة، وربما لم أكن أعلم في تلك اللحظة ما أنا فاعل، ولِمَ أراسلها أساسًا، لكنني الآن أدرك جيدًا...
و تمضي الحياة


ما كتبه الله لنا هو خير لنا
خيارات الله هي الافضل دائما