أسرار خلف الستائر
في تمام الساعة التاسعة، أطلت علينا الأنسة نور، كنت أنتظر قدومها . أخبرتُ أنها لا تحترم توقيت العمل، وأن ذاك الفتى كان يعاملها على أساس صديقة وليس موظفة لديه، لأنهم في النهار يتواجدون معًا في المحل، وليلاً في سهرة في منزلها أو منزل إحدى أصدقائهم.
كانت شخصية متمردة وجامحة لا حدود لها. تنقلت من مدينتها واستقرت في هذه المدينة. حسب ما أذكر، أهلها يظنونها تدرس في الجامعة، بينما هي تعمل معنا في المحل. كانت ترتدي ما يعجبها وتتحدث بجرأة ودون حياء، وتكثر السهر ليلاً وتدخن بشراهة، فقد كنت دائمًا أشتم رائحة السجائر في دورة المياه. هددتها أكثر من مرة، وكانت أحيانًا تعترف وأحيانًا تقسم أنها أقلعت عن التدخين. كما كانت تكثر من الحديث مع ذاك الفتى، وغير متقبلة للحال الذي هو فيه، وأقسم أنهم يحيكون شيئًا من خلفي.
لا أعتقد أنها على علم بالتغيرات التي طرأت فجأة. كان قسم ملابس النساء مفصولًا عن قسم ملابس الرجال، وبينهما خلوة صغيرة لا تكاد تتسع لخمسة أشخاص. مكتب صغير فالزاوية لا يسمح بالجلوس بأريحية، والزوايا الأخرى مخصصة لدورة المياه، أو لتخزين بعض البضاعة، أو يجلسن فيها الفتيات عند استراحتهم. تسللت نور من قسم الرجال، وقبل وصولها للخلوة، كان قد أخبروها بكل شيء. طبعًا، سبيكة وربيعة لا يفوتهم شيء، فهم الأكبر سنًا في المحل والأكثر نضجًا، وسأعود لاحقًا لذكر دور سبيكة في فشل محاولة نور في اغوائي.
كنت أدخن سيجارة رفقة جهاد صاحب الكشك المجاور، وبيننا محل أخوه عزالدين لبيع الستائر. عند انتهائي عدت لفرع ملابس النساء. كان يوم افتتاح بضاعة جديدة، المحل ممتلئ بالزبائن، والفتيات يتحركن بنشاط بين الرفوف، بينما كانت صفاء الكاشيير تغلف مقتنيات من إنتنهت من الشراء وتقْبض المبلغ بهدوء وابتسامة تعلو محياها. لا أعلم إن كانت جزءًا من شخصيتها في التعامل مع الحرفاء أم ابتسامة امتنان لوجودي، فقد وجدتها في حالة يرثى لها، ولا تعرف من أين تبدأ. كانت البضاعة مكدسة، ولم يتم تعليقها بعد، والسيد علاء غير موجود ليقوم بدوره في متابعة عملية تنظيم الملابس وتعليق الأسعار، لكن مع حلول توقيت الافتتاح كان كل شيء في مكانه، والأسعار معلقة، وكل منهم على رأس عمله.
ألقيت التحية على صفاء، وأثناء سؤالي لها إن كانت تحتاج مساعدة أو يوجد نقص في العملة النقدية، أجابت بأن الأمور على ما يرام، يكفي أن أقف قربها حتى لا تتدافع النسوة وتفر إحدى الزبونات دون دفع ثمن مشترياتها.
أجلت بنظري في المحل، فرأيت فتاة تقوم بتعديل بعض القمصان الصيفية. كان شعرها ذهبيًا مائلًا للغمق، متوسط الطول، تتخلله لمعة ناعمة تعكس الضوء بأناقة. عند التفاتها، اتجهت عيناي لعينيها، وكانت ملامحها توحي بأنها في بداية العشرينات، قمحية اللون، ذات عيون عسلية وابتسامة جريئة. أومأت برأسها وكأنها تقول: "نعم، أنا هي نور التي حدثوك عنها، دائمًا متأخرة."
بدأت الحركة داخل المحل تنخفض شيئًا فشيئًا، وبعد جولة قصيرة في محل ملابس الرجال والتثبت من أي نقص أو إشكال، دخلت للخلوة فوجدت لبنى بصدد تناول قطعة كيك. استأذنتني أن تأخذ استراحة لخمس دقائق، فهي مصابة بداء السكري، وذاك اليوم عملت بجد فشعرت بانخفاض معدل السكر، فتطمنت عن حالها وأكملت لمحل النساء.
إستوقفني مشهد رائع؛ كانت نور تتحدث مع أربعينية ترتدي ملابس أنيقة، وملامحها واثقة. تطلب من نور أن تنقذها، فقد احتارت أي بنطال تختار من بين ثلاثة أعجبتها تفاصيلهم. عنصر المفاجأة هنا أن نور نجحت في إقناعها بشراء الثلاثة، وأنها إن اختارت واحدًا على حساب الآخر ستشعر بالندم. ابتسمت دون أن أشعر، نعم يبدو أنني سأتفق كثيرًا مع نور الذكية.
مع مرور الأيام، اعتادوا وجودي، وأصبحنا نعرف بعضنا أكثر، وصار هناك تواصل سلس بيننا، لكن علاقتي بنور أخذت منعرجًا آخر، فقد كانت تشاركني أفكارها وطموحاتها، وتبرر سبب تأخيرها بأنها مصابة بالأرق ولا يمكنها النوم ليلاً، وأنها ستعوض ذلك بتحقيق مبيعات أكثر كلما أتت متأخرة. كانت تلقي النكات بين الحين والآخر، وتمازحني، وعندما أكون في حالة غضب أو توتر تتقرب مني وتخبرني أن مظهري مضحك حين أكون غاضبًا.
كلما أتت تلك الزبونة التي تحبذ شراء الميني سكيرت، كانت تطلب مني أن تقوم نور بتجربتها. أسمح لها بذلك بينما أكون جالسًا قرب صفاء. كانت نور تفاجئنا كل مرة بميني سكيرت ملفت أكثر مما سبقه، فتقول بخنج وهي تلف: "هل أعجبك حمزة؟" في كل مرة تسألني، كنت أرتبك وأتلعثم في الإجابة، إذ أنني أتحاشى إطالة النظر لها حتى لا أتهم بأنني معجب بطولها وسيقانها المتناسقة، فكنت أُبدي إعجابي واندهاشي بالسكيرت فقط، لأنني في النهاية سأبيعهم وأتخلص منهم 😂 فالإقبال عليهم ضعيف جدًا، ففنهاية المطاف نحن في الجنوب التونسي شعب محافظ، وقلة من ترتدي هذه الملابس.
في مرة من المرات، بينما كنت أدخن خارج المحل، أتاني رجل وهو يستشيط غضبًا، وقال: "هل أنت المسؤول هنا؟"
أجبت باهتمام: "نعم، أنا تفضل، كيف أخدمك؟"
فأردف قائلاً: "أتيت أنا وزوجتي لاقتناء ملابس لها، لكن فاجأتني تلك الفتاة وهي في كل مرة تخرج من غرفة التغيير بقطعة أكثر جرأة من سابقتها."
فقلت: "عمي، هذا محل لبيع الملابس النسائية، أمر طبيعي أن تشهد مثل هذه المواقف. إن كنت منزعجًا يمكنك الانتظار خارجًا أو إلقاء نظرة على محل ملابس الرجال."
صدم من إجابتي، لم يتوقعها، فهم، وقال كلامًا غير مفهوم، وأشعل سيجارة، وبقي ينتظر زوجته خارجًا 🌚.
ذات يوم وأثناء حديثي مع سبيكة في محل ملابس الرجال، أخبرتني أن أكون حذرًا من نور، إذ إنها عادت من استراحتها مبكرًا، وسمعت نور تتحدث مع صديقتها في الخلوة أنها فعلت كل شيء للتمكن من اغوائي ومسك دليل يمكنها من طردي نهائيًا، وعودة ذاك الفتى علاء لإدارة المحل من جديد. لكن مجهودها لم يكن كافيًا، ولا تعرف كيف ستحقق ذلك. حقيقة، كنت ممتنًا لسبيكة لأنها كشفت عن الجانب المظلم لنور؛ رغم ذكائها ومهارتها، إلا أن الخصال السيئة فيها طغت على شخصيتها، وجعلتها شخصًا لا طائل منه.
ذات مساء، أرسلت لي نور طلب صداقة على الفيسبوك،وكأنها ترمي أوراقها الأخيرة فلم أقبله، إذ لا أحبذ الخلط بين العلاقة المهنية وحياتي الشخصية. غادرت في الغد لزيارة العائلة ليومين، فهاتفني أسامة (فتى في الثامنة عشر أئتمنه على المحل عند مغادرتي)، وأخبرني أنها الحادية عشر صباحًا، ولم تحضر بعد. طلبت منه الاتصال بها وإبلاغها بعدم القدوم، وأن تأتي نهاية الشهر لأخذ أجرها.
كانت تدرك أن هذه المرة قراري لا رجعة فيه، فلم تتصل ولم تأتي
الحمد لله، لم أكن شخصًا يسهل اغواؤه، ولم أستغل صلاحياتي في العمل لتحقيق غايات قذرة كالانسياق خلف اللذات والعلاقات السامة.
من السهل الوصول للقمة، لكن الصعب هو البقاء هناك.
لم تكن نور الشخص الأول أو الأخير الذي خيب ظني، فقد توالت الخيبات لدرجة أنني وجدت نفسي تحت التهديد يومًا ما...
كالعادة، إن كنت تقرأ هذا، فأنت قد انتهيت من قراءة هذا الفصل. شكرًا، وأرجو أن تكون قد استمتعت.


لا عادي ولا يهمك
لا تقل أن سلسلة إنتهت ؟