الفصل الثاني: يوم الوداع
توقفنا في المرة الفارطة عند نقطة تكليفي بمهمة إدارة المحل الأصغر في الضفة الأخرى من المدينة، ولا أخفيكم سرًا، لقد شعرت بمزيج من المشاعر في تلك اللحظة؛ من جهة سعادتي بالفرار من ذاك المحل الشاسع والمتعب وغيرة الفتى الساذج، ومن جهة ثانية قلقي من كيفية التعامل مع الفتى الآخر الذي كان مسؤولًا وأصبح مجرد عامل بنفس المحل الذي كان يديره، كما أن مبيعات المحل ضعيفة شيئًا ما.
أطفأت السيجارة ودخلت إلى المحل، كان اليوم قد شارف على الانتهاء، والمحل شبه خالٍ من الحرفاء. توزعت الفتيات، كل واحدة في ركن، فقد سبق وحذرتُهن من الوقوف بالقرب من بعض وتبادل أطراف الحديث، وقد أعطت الأوامر نتائج إيجابية، فقد توقفت تلك الفتاة سامية عن الغيبة ههههه، رغم نشاطها إلا أنها كثيرة الثرثرة وتغتاب الحريف حتى قبل أن يغادر المحل. كانت أول مرة أراهن بذلك الهدوء، ونظرة من الحزن تعتلي وجوههن، وكأنهن قد فقدن أحد الأحبة.
اقتربت من رجاء، تلك الفتاة القصيرة ذات الملامح الصحراوية بعيون سوداء وابتسامة دائمة، وكانت على قدر من المسؤولية والتفاني، فقد كانت كاشيير المحل الأولى، وبجانبها من تنوبها في استراحة الغداء، ملاك، فتاة سمراء ضئيلة الحجم بمظهر طفولي، كانت تمسك الهاتف، ربما تنتظر رسالة من حبيبها، فقد اقترب موعد الخطوبة. أظنها الآن قد تزوجت، فقد مر وقت طويل منذ أن غادرتهم.
مازحتهن قائلًا: ماذا حل بكن؟ لما كل هذا الهدوء؟ فابتسمت رجاء كعادتها وقالت: لقد أخبرنا أحمد منذ قليل أنك ستذهب لإدارة المحل الآخر، لهذا نشعر بشيء من الحزن، فقد أعاد لنا قدومك شغفنا بالعمل ومنحتنا الاحترام لا القسوة. نشهد أننا عملنا بجد لكي لا نخسر ما منحنا إياه وجودك بيننا، فكيف لك أن تغادرنا بهذه السرعة وتتركنا بين يدي فتى مراهق يصغرني سنًا لا يعلم حتى كيف يتواصل مع الحرفاء بأسلوب؟
تلك المرة الأولى التي أشعر فيها بالامتنان لنفسي والسعادة بما حققته في فترة لم تتجاوز الثلاثة أشهر بينهم. لم أتمكن من إخفاء تأثري بما قالته رجاء، التفتُّ وطلبت من كل الفتيات القدوم. كنَّ خمس فتيات، كل واحدة تقف في الركن الذي كلفتها به؛ فكانت ميساء تقف في ركن الملابس النسائية، فتاة محجبة، طولها يقارب مترًا وسبعين، جميلة، تحب ارتداء الجينز، فهي كثيرة الحركة. خلفها هاجر، دائمًا ما تجد طريقة لجعل النساء يغادرن بمشتريات كثيرة. ومن هناك في قسم الأطفال كانت تقف سمر ذات العيون الزرقاء، كنت ألقبها بالأجنبية، وجدت أنها تحب ملابس الأطفال، ترتبها بشكل جميل ومتباين يجعل النساء يلتقطن ما يناسب أطفالهن بسهولة. وعلى أقصى يساري في الخلف كانت تقف نسرين، سمراء، طويلة وعريضة الكتفين، ذات صدر بارز وسيقان ممتلئة، مظهرها يوحي بالرعب لكنها شخص لطيف وحنون. لقد كلفتها بملابس الرجال على قناعة مني أن لا أحد سيسرق أو يقلل من أدبه معها، وإن حاول سأكتفي بالمشاهدة 😂. وأخيرًا سوار، تلك القصيرة بالكاد أراها تتحرك بين الرفوف المتحركة لعرض الملابس، لقد امتلكت خاصية جعلتها تستعمل الهاتف بأريحية، وكثيرًا ما أمسكها متلبسة لأنني غالبًا ما لا أراها من بعيد، لكنها كانت ذكية، تعرف كيف تجعل الشباب يشترون دون عناء ✨.
التففن حول الكاسة (نقطة الخلاص) بخطى مثقلة، وكأنهن يعلمن أنها لحظة الوداع. أخبرتهن أنه قد كان لي الشرف بالعمل معهن، وأننا كنا أسرة أكثر من كوننا مسؤولًا وموظفاته. اعتذرت منهن إن بدر مني أي خطأ أو سوء معاملة، وأعلمتهن أنني سأزورهن من حين إلى آخر، وفي الختام تمنيت لهن التوفيق في قادم الأيام وأنني موجود متى ما احتجنني. تبادلنا السلام، وأخبرتهن بإمكانية الانصراف.
غادر الجميع وبقيت رجاء، الكاشيير، لاحتساب أرباح اليوم وغلق الحساب. رافقتني أنا وأحمد في طريق العودة إلى البيت، حيث إنها تذهب لتلتقي بأختها ويعودان معًا إلى المنزل. أخبرتني بأنها قد أعلمت أختها بقدومي (هي الأخرى كاشيير في المحل الذي سأذهب لإدارته)، فطمأنتها بأنني سأعاملها كما أتعامل معها، وأنني سعيد لأنها أختها، فقد أخبرتني الكثير عنها.
كان أحمد يومها كثير التفكير، فهو الآخر متهم كذلك في قضية السرقة، لأن الآخر يقول بأنه قد سلّمه الأموال كاملة، وهذا يقول بأنه تسلم نصفها فقط. أنا أعلم أنه بريء، فهو متهور وساذج لكنه مؤتمن ويخشى بطش المسؤول عن فروع المدينة. أخبرته أنه سيكون بخير وفي مأمن، وأنه بريء ولا ذنب له. تفاءل شيئًا ما، واقترح أن نتناول بيتزا على العشاء، أعجبتني الفكرة، فذهبنا إلى مطعم الناصية، وقدمنا الطلب وجلسنا ننتظر ونتأمل في المارة.
في الصباح أطلت النوم قليلًا، لأن المحل تحت المنزل في نفس العمارة. عند نزولي كان وسيم وجلال يرافقانني (هذان قمت بطردهما، فقد تغير أحدهما ولم يعد يهتم بالعمل، أما الثاني فقد طعنني في ظهري رغم كل ما منحته إياه).
كان أمام المحل كل من الفتيات الستة ينتظرننا بشيء من القلق والانزعاج، أكيد تعلمون ما سببه...
انتهى يوم الوداع وبدأ اليوم الأول.
أتمنى ان يكون قد نال اعجابكم
إن كنت تقرأ هذه الجملة فقد أنهيت للتو الفصل الثاني، شكرًا، ولا تنسَ الإعجاب والتعليق.


احببت الوصف 🎀
ننتظر باقي الاجزاء 😼